الحوار الداخلي وأطرافه

إن (النفس) أو (الذات) هي التي تشكل (طرفاً آخر) للتحاور الداخلي،... إلاّ أنّ محاورة الذات أو النّفس تأخذ أشكالاً مختلفة، منها:

1- الحوار المباشر:

وهو أن يتحاور الإنسان مع نفسه مباشرة، مثل قول الكافر يوم القيامة:

(يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً). وهذا النمط من الحوار على مستويات، منها ما هو:

- نفسي: كالنموذج المتقدم، ومنها:

- تعليمي: مثل قوله (عليه السلام): (عجبت لمن يحتمي من الطعام لمضرّته، كيف لا يحتمي من الذنب لمعرّته). فمحادثته (عليه السلام) مع النفس هنا، يستهدف منها تعليم الآخرين.

ومنها:

الحوار الصامت

وهو نوع من الحوار (بالقوة) أيضاً - مثل الحوار الفرضي والرمزي - إلا أنّه يفترق عنهما بكونه: لم يُترجم إلى كلام فعلي، بل أنّ (صمته) هو (حوار) بدون النطق،... وهذ ا من نحو قوله (عليه السلام) عن الموتى:

(فقالوا: كلحت الوجوه النواضر، وخوت الأجسام النواعم، ولبسنا أهدام البلى... إلخ).

فالموتى صامت خلال (التعم، إلاّ أنّ لسان حالهم هو: ما نطقت به العبارات الحوارية المشار إليها.

أمّا المسوّغ الفني لمثل هذا الحوار، فأمرٌ واضح؛ ما دام الميت (يعي) - في حياة البرزخ - كل ما يجري حوله، ويأسف لما فاته - في دنياه - من ممارسة العمل الذي ينتفع با أخروياً...

وحدة الصيغ ومستوياتها

النصوص الأدبية التي تعتمد وحدة الصيغ (الغائب) أو (المخاطب) أو (المتكلّم) تنشطر إلى ثلاثة مستويات:

1- أن يتمحّض النص لصيغة واحدة (كما لحظنا بالنسبة إلى سورة (والعاديات) أو (تبّت) ونحوهما بالنسبة إلى ضمير الغائب).

2- أن يتمحّض النص للضمير الواحد ولكن يتصدّره أو يتخلّله أو يختمه ضمير آخر يجيء بمثابة التعليق العابر، مثل سورة التوحيد البادئة بعبارة (قل) حيث استهلّت بضمير الخاطب، ولكنّها تحدّثت في موضوعاتها بلغة الغائب (هو الله أحد...) إلى آخره.

مستويات التجانس

التجانس بقسميه المتقدّمين، يتم من خلال:

1- العبارة المفردة: ويقصد بها اللفظة الواحدة التي يتحقّق فيها تجانس أصواتها، سواء أكانت ذات أصوات متوحّدة مثل (أنبتت) (تبّت) إلى آخره، أما كانت ذات أصوات مختلفة تتناسب فيما بينها، وهو أمر يرجع تمييزه إلى الذوق، بالنحو الذي فصّلنا الحديث عنه في الفصل الخاص بالعنصر اللفظي.

2- العبارة المتكرّرة: وهو ما نستهدف الحديث عنه في هذا الفصل، حيث يخضع التجانس بين اللفظين فصاعداً لمستويين هما (التجانس المنتظم) و(التجانس غير المنتظم).

1- التجانس المنتظم:

العنصر البنائي

المقصود من العنصر البنائي هو: العمارة التي يقوم النص الأدبي عليها بصفته مجموعة من الأفكار والموضوعات التي تخضع لتخطيط خاص في صياغتها، من حيث ارتباط كل جزء منها بالآخر، أي ارتباط من أوّل النص ووسطه ونهايته بعضها مع الآخر، وارتباط كل موضوع بما سبقه ولحقه من الموضوعات، ثمّ تجانس العناصر اللفظيّة والإيقاعيّة والصورية وتجانسها مع الموضوعات والأفكار المشار إليها... وهذا يعني أنّ النص الأدبي هو (وحدة) فنيّة تنتظمها مجموعة من الموضوعات والأساليب، تخضع لهيكل خاص من الصياغة...

وهذا ما نعتزم تفصيل الحديث عنه ضمن عنوان:

 وحدة النص الأدبي:

التقديم والتأخير

النص الأدبي يتضمّن مجموعة من الموضوعات والأفكار. وكلّ واحد من هذه الموضوعات أو الأفكار يتكوّن من (أقسام) أو (أجزاء) تنتظم وفق نسق خاص بحيث (يتقدّم) جزء على آخر، أو (يتأخّر) جزء عن جزء آخر، تبعاً لمتطلبات السّياق.

وتقديم الشّيء على غيره أو تأخيره عن غيره، يتمّ إمّا في نطاق (العبارة الواحدة) أو نطاق (الجملة) أو نطاق (المقطع) الذي يتألف من عدة جمل تشكّل بمجموعها جزءاً من الموضوع العام لِلنّص الأدبي، على نحو ما سنوضّحه لاحقاً.

الذكر والحذف

يتميّز النّص الأدبي عن غيره: بكونه (ينتقي) من الكلام ما هو ضروري، ويحذف ما هو زائد على الحاجة... لذلك عرَّفَ الإمام الصّادق (عليه السلام) البلاغة (في جانب منها) بأنّها (التبعّد عن حَشْوِ الكلام)، أي: (حذف) ما لا ضرورة له، و(ذكر) ما هو ضروري فحسب، لأنّ (ذكر) ما لا ضرورة له: يُعدُّ (فضولاً): كما هو واضح... فمثلاً: قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدا أبي لَهَبٍ وَتَب) يتضمّن ما هو ضروري من الكلام، لذلك لن (تذكر) في هذه الآية إلاّ العبارات (تبّت) (يدا) (أبي لهبٍ) (وتب).

الإجمال والتفصيل

 الإجمال:

هو صياغة (الموضوع) أو (الفكرة) بعبارات مختصرة، غير مبيّنة وغير موضّحة وغير مفصّلة لأجزاء الموضوع ومعالمِهِ وحدوده... وهذا مثل قوله تعالى عن قيام الساعة وما يكتنفها من الأهوال:

(إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شيءٌ عَظِيمٌ)

فقوله (شيء عظيم) هو: عبارة (مجملة) لا توضّح معالم وحدود هذا الشّيء الذي وصفه النّص بأنّه (عظيم)، بقدر ما يدلُّ - في الجملة - بأنّ قيام السّاعة هو شيء خطير... أمّا ما هي تفصيلات هذا الشيء، فأمر قد سكت عنه النّص في هذه الآية...

وأمّا:

التفصيل:

الإسهاب والاقتصاد

إنّ كلاً من الإسهاب والاقتصاد له علاقته بكلٍّ من التفصيل والإجمال. فالإجمال هو صياغة العبارة (المقتصدة) التي تقتصد في التعبير.

أمّا التفصيل فهو: الإسهاب في شرح أو تحليل الظاهرة.

إلاّ أنّ فارقاً بين كل من القاعدتين البلاغّيتين ومقابلهما، لأنّ الإجمال قد يتمّ بعبارات كثيرة وكلمات غير محدّدة، والتفصيل قد يتمّ بعبارات قليلة ولكنّها محدّدة للشيء، ولذلك، فإنّ الاقتصاد والإسهاب يختلفان ـ من هذه الجهة ـ عن التفصيل والإجمال.

وفي ضوء هذه الحقيقة، يمكن أن نعرّفهما بما يلي:

1- الاقتصاد: هو طرح الموضوع بعبارات قليلة مضغوطة.

النفي

قلنا أن النفي هو مقابل للإثبات، ونعني به مطلق الظواهر التي تشير إلى ما هو معدوم، مقابل ما هو موجود سواء أكان العدم نفياً للشيء أو نهياً عنه(1).

والنفي بعامّة، لا ينطوي على سرّ بلاغي بقدر ما تقترن به من الأساليب، فقد نستخدم أدوات النفي مثل (لم، لما، لن.. إلى آخره)، أو النهي مثل (لا)، أو الألفاظ الدالّة عليه، مثل (إيّاك) (توقّ)، فنكون أمام تعبير عادي عن الأشياء، إلا أن السياق والأسلوب هما اللذان يخلعان على الظاهرة المنفيّة أو المنهي عنها، بعداً بلاغياً.

ويمكننا أن نعرض لجملة من السياقات والأدوات المقترنة بها، من نحو:

Subscribe to البلاغة

Scientific activities and events